جيرار جهامي ، سميح دغيم
1084
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
التعبير ، وهذا ما يزيد العقل ثقة بنفسه ، لأنه غير مسؤول عن الحقيقة ، فيتنفّس الصّعداء مدركا خلوّه من أحمال الحقيقة . وبعد ، فليس من حالة كيانية أسلم للعقل وأدعى إلى حرّيته وفرحه وثقته التامة بنفسه من أن تقول له وتؤكّد - فيما يكون قولك هذا وتأكيدك قائمين على الحقيقة نفسها : « الحقيقة معطاة . الحقيقة موجودة . الحقيقة قائمة في حدّ ذاتها . أنت لست مسؤولا عن وجودها بل عن وجدانها . إنها تكشف لك عن ذاتها بذاتها ، بطريقتها الخاصّة ، وبصدق تامّ . هكذا هي بالضبط . وإنك لجدير بمعرفتها والشهادة لها كلّ الجدارة ، شرط أن تنشدها بدأب وإصرار وإخلاص » . هذه هي بالضبط رسالة الفلسفة الظّهورية وذلك هو موقفها الكياني الأخير . إنها صرخة العقل الداوية في وجه كلّ نسبية ، وكل ذاتية ، وكل مثالية ، وكل تعسّفية أو تشكيك - كلمة العقل للعقل ، أن ثق بنفسك ، وبالحقيقة ، وبأنك كفء لها . ( شارل مالك ، المقدمة ، 192 ، 10 ) . - الحقيقة لا تبقى حقّا إذا جمدت علاقتها ما بين الشاهد وموضوع شهادته ، بينما الموضوع هو نفسه في تحوّل ، والشاهد هو نفسه في تبدّل . الحقيقة ليست بجماد . لكنها أمانة . والأمانة ليست نسبة ما بين ذات وموضوع . إنما هي نمو كيان . والمحافظة على التقاليد لا تعني التعلّق بالأمس الموات ، بل تعني الوفاء لماض يأبى أن تفارقه الحياة . فلا نطلبن التقاليد في الغابر وحده ، فهي من حاضرنا على انتظار ، ولعلّها وديعة الزمن الآتي . ( خليل سركيس ، أيام السماء ، 72 ، 21 ) . - الحقيقة ثلاثة عناصر : الذاتي والمشترك وفعل تأليفهما . ولعلّه من الخير أن نقول ، ههنا ، إن الحقيقة لا تصنع نفسها بقدر ما نصنعها نحن . فهي ، إذن ، متوقّفة علينا . وهذا القول ينبغي اعتماده شرط أن لا يجنح بنا إلى الغلو . وذلك أن الحقيقة ليست من المعطيات البديهية التي تسنح دون عمل مسؤول ، ولا هي مما يفرض فرضا . وإنما المراد هو أن من يكتشف الحقيقة يجب عليه دعوة الآخرين إلى اكتشافها ، على أن يكون انطلاقهم جميعا من صميمهم الذاتي الحميم . ( خليل سركيس ، أيام السماء ، 74 ، 8 ) . * في الفكر النقدي - إن الحقيقة بالنسبة له ( المفكّر النقدي ) هي مجموع آثار المعنى التي يسمح بها لكل ذات فردية أو جماعية نظام الدلالات الإيجائية المستخدمة في لغته . إنها مجمل التصوّرات المختزنة من قبل التراث الحيّ للجماعة القبلية ، أو للطائفة الدينية ، أو للأمة . فكل أمة أو طائفة تعتبر تراثها بمثابة الحقيقة المطلقة . إن الحقيقة ليست جوهرا أو شيئا معطى بشكل جاهز ونهائي ، وإنما هي تركيب أو أثر ناتج عن تركيب لفظي أو معنوي قد ينهار لاحقا لكي يحلّ محلّه تركيب جديد ، أي حقيقة جديدة . فالحقائق تنهار وتموت بحسب التصوّر الإبستمولوجي الحديث ، وليست أبدية أو خالدة كما كان يتصوّر اللاهوت القديم أو الميتافيزيقا المثالية . هكذا نجد أننا مدعوّون لتغيير تصوّرنا